محمد غازي عرابي
794
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
المضرة إشارة إلى دور الفساد هذا ، إذ كل أمر منوط به تعالى ولهذا كان من أركان الإسلام الإيمان بقضاء اللّه خيره وشره من اللّه تعالى ، فما يرى من شر هو بأمره والغاية الخير وإلا لما وجد ، وظاهرا يبدو الدور الذي تلعبه الحيوانات المفترسة ضارا ووحشيا ، وباطنا وكما تعرف العلماء فهذا الدور هو جزء من النظام الوجودي الطبيعي المتكامل ، ويتوجب فيه على الحيوان المفترس أن يلعب دوره ويأكل الضعيف من الحيوانات الأليفة فيكون بذلك قد حافظ على النسل قويا ، كما أنه بأكله صغار الحيوانات الأليفة يبقي نسبة التكاثر محدودة ، فلا يطغى آكل مأكولا لا من الحيوان ولا من النبات ، وفي عالم البشر لولا الشر لما استيقظ الخير ومارس دوره فعرف به صاحبه وعرف . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 52 إلى 53 ] فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 ) [ الروم : 52 ، 53 ] الآية تذكر بقوله تعالى : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 186 ] ، فالعبرة بالباطن والاسم الحاكم والأسماء للّه ، فإذا سمعت الأذن خبرا لا يوافق هوى القلب تصامم القلب عن سماع ما نقلته الأذن ، كحال من يسمع الأذان وقلبه معلق بألحان ، فالإنسان قلب وأذنان ، فالقلب للباطن ، والأذن للظاهر ، والإنسان جسر بين الباطن والظاهر لا يفترقان . [ سورة الروم ( 30 ) : آية 54 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) [ الروم : 54 ] الضعف العقل وهو بعد صفحة بيضاء كعقل الطفل وهو ما يسمى عقلا بالقوة ، والقوة العقل وقد اكتسب المعلومات فوعى وميز واختار وفعل فهو من ثم عقل بالفعل ، والضعف الثاني له بطنان ، الأول ضعف المشيب والكبر حيث يصيب الضعف الجسم وحواسه ظاهرة وباطنة فيرد الإنسان إلى أرذل العمر ، والبطن الثاني الضعف الذي يأخذ العارفين الذين خاضوا بحار التوحيد فهالهم ما رأوا وما سمعوا وما عرفوا ، فإذا هم حيارى أمام الحقيقة الكبرى التي تجعل الولدان شيبا ، قال اللّه مخاطبا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ، وقال ابن عطاء اللّه كيف أستعز وقد أذللتني وسمع البسطامي رجلا يقول عجبت ممن عرف اللّه كيف يعصيه ، فعلق على قوله قائلا عجبت ممن عرف اللّه كيف يعبده ، وقال الشبلي لو أجمع الناس على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا ، وقال أيضا ذلي عطل ذل اليهود ، وتفسير ذلك أن العارف لا يرى له فضلا ولا عملا ولا خيرة في ما أتى ، وأن اللّه لو شاء